سيد محمد طنطاوي

303

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ونسب - سبحانه - القول إلى الرسول - وهو جبريل - لأنه هو الواسطة في تبليغ الوحي إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم . ثم وصف - سبحانه - أمين وحيه جبريل بخمس صفات : أولها : قوله * ( كَرِيمٍ ) * أي : ملك شريف ، حسن الخلق ، بهى المنظر ، ثانيها : * ( ذِي قُوَّةٍ ) * أي : صاحب قوة وبطش . كما قال - تعالى - : عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوى . . ثالثها : * ( عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) * أي : أن من صفات جبريل - عليه السلام - أنه ذو مكانة رفيعة ، ومنزلة عظيمة عند اللَّه - تعالى - . رابعها : قوله - تعالى - * ( مُطاعٍ ) * أي يطيعه من معه من الملائكة المقربين . وخامسها : قوله : - سبحانه - * ( ثَمَّ أَمِينٍ ) * و « ثم » بفتح الثاء - ظرف مكان للبعيد . والعامل ما قبله أو ما بعده ، والمعنى : أنه مطاع في السماوات عند ذي العرش ، أو أمين فيها ، أي : يؤدى ما كلفه اللَّه - تعالى - به بدون أية زيادة أو نقص . قال الشوكاني : ومن قال إن المراد بالرسول محمد صلى اللَّه عليه وسلم فالمعنى : أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة ، مطاع يطيعه من أطاع اللَّه ، أمين على الوحي . وقوله : * ( وما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) * : الخطاب لأهل مكة ، والمراد بصاحبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره في شيء ، وأنهم افتروا عليه ذلك ، عن علم منهم ، بأنه أعقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم . فأقسم - سبحانه - بأن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه « 1 » . فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأكمل وجه ، وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم - عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره ، وسمو أخلاقه - أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا . وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ رَآه بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ) * معطوف - أيضا - على قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * فهو من جملة المقسم عليه .

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 391 ، للشوكاني .